في الوقت الذي تفتخر فيه المؤسسة
الأمنية العراقية بإنجاز "السد المنيع" على الحدود مع سوريا، متمثلاً
بخطوط الدفاع الكونكريتية والخنادق والمنظومات الإلكترونية، يبرز تساؤل استراتيجي
يثير القلق في الأوساط الشعبية والسياسية، وهو ما جدوى إغلاق الباب الحدودي
بالأسمنت إذا كان الشباك الخلفي مفتوحاً برعاية دولية؟
وبعد تداعيات الأوضاع في سوريا المتسارعة وسيطرة
الفصائل المدعومة من قبل الرئيس السوري احمد الشرع الملقب "بالجولاني"
على اخطر سجون سوريا والتي تضم اعتى مقاتلي وأمراء داعش وما تلاه من مخاطر نقل آلاف المحتجزين والعوائل المرتبطة
بتنظيم "داعش" من مخيمات وسجون شمال شرق سوريا إلى العراق، يتبادر إلى
الأذهان ترابط الأحداث ومدى ملامسة هذا المسار لسيناريوهات عام 2014 الكارثية.
يرى خبراء بالسياسة خلال حديثهم لوكالة
فيديو الإخبارية أن الحكومة العراقية استثمرت مئات الملايين من الدولارات لتأمين
الشريط الحدودي (خاصة منطقة غرب نينوى والأنبار)، من خلال نصب جدار كونكريتي
بارتفاع يصل إلى 3.5 أمتار، مدعوم بأسلاك شائكة وخنادق بعمق 3 أمتار، وكاميرات
حرارية متطورة تغطي الثغرات الليلية.
ويؤكد الخبراء أن تلك التحصينات حققت أهدافها
في وقت سابق من خلال منع تسلل "مفارز الاستنزاف" وقطع خطوط الإمداد
اللوجستي لفلول التنظيم الإرهابي بين البادية السورية والصحراء العراقية تراجع
كبير في عمليات التسلل العشوائي والتهريب.
سياسة "الدخول من الشباك"
بينما يُمنع المتسلل الفرد من عبور
الأسلاك الشائكة، تدخل قوافل رسمية ومحمية من التحالف الدولي عبر المعابر الرسمية،
محملة بآلاف الأشخاص من مخيم "الهول" وسجون الحسكة، حيث يتم نقل
المعتقلين والعوائل ضمن اتفاقيات دولية تضغط باتجاه تصفية مخيمات سوريا ونقل
مواطني كل دولة إلى أراضيهم.
المفارقة في هذا الامر أن الشخص الذي
كان الجيش العراقي يترصد قتله عند محاولته التسلل، أصبح يدخل الآن
"رسمياً" وبحماية أمنية ليتم إيداعه في مراكز مثل "مخيم
الجدعة" أو سجون وزارة العدل.
ويرى مراقبون أمنيون أن نقل هذه الكتل
البشرية دون برامج "تفكيك تطرف" حقيقية هو مجرد نقل للمشكلة من الجانب
السوري إلى الجانب العراقي، مما يجعل الحدود مجرد وهم بصري.
سيناريو 2014: هل نحن أمام "نسخة
محدثة"؟
التخوف من تكرار سيناريو 2014 لا يأتي
من قوة التنظيم العسكرية الحالية، بل من "الاستراتيجية" التي قد تتبعها
القوى الدولية أو التنظيم نفسه، على اعتبار أن وضع آلاف المحتجزين في مراكز محددة
داخل العراق يسهل عملية "إدارة التوحيد" فكرياً داخل السجون، وهو بالضبط
ما حدث في "سجن بوكا" سابقاً الذي كان الرحم الذي وُلد منه قادة داعش.
يضاف إلى هذا الامر سيناريو "هدم
الأسوار" الذي أطلقه الإرهابي البغدادي قبل عام 2014 حيث كان يعتمد على وجود
مخزن بشري ضخم في السجون العراقية ينتظر "لحظة الصفر"، بالتالي نقل
الدواعش من سوريا إلى العراق يوفر لداعش هذه "المادة البشرية" الجاهزة
داخل الأراضي العراقية.
الدور الدولي والمصلحة الوطنية
تجد الحكومة العراقية نفسها بين فكي
كماشة ما بين ضغوط التحالف الدولي الذي يريد إنهاء ملف مخيم الهول بأي ثمن لتقليل
الكلفة الأمنية والمادية على القوات الأمريكية و"قسد" في سوريا، والأمن
القومي العراقي الذي يرى في هؤلاء العائدين "قنابل موقوتة" قد تنفجر في
حال حدوث أي خلل سياسي أو أمني داخلي.
وتؤكد تقارير مجموعة الأزمات الدولية (ICG)
أن غياب الرؤية الواضحة لدمج أو عزل هؤلاء العائدين يجعل من التحصينات الحدودية
"جهداً ضائعاً" إذا ما حدث اختراق من الداخل، حيث أن العدو لم يعد وراء
الحدود، بل أصبح "ضيفاً إجبارياً" في الداخل.
ويؤكد خبراء بالشأن الأمني لوكالة
فيديو الإخبارية أن فكرة "أغلقنا الباب وفتحنا الشباك" ليس مجرد استعارة،
بل هو وصف دقيق لواقع الحال، حيث أن تحصين الحدود هو عمل تكتيكي ناجح، لكن نقل
الإرهابيين هو خلل استراتيجي قد يفرغ العمل التكتيكي من محتواه.
من هذا المنطلق يؤكد مختصون على ضرورة عدم
وضع العائدين في مراكز ضخمة قريبة من المدن المحررة، مع كشف تفاصيل الاتفاقيات مع
التحالف الدولي حول أعداد وهوية المنقولين، كما ان التحصين بالكونكريت يجب أن
يرافقه تحصين مجتمعي لمنع تحول مراكز النزوح إلى بؤر تجنيد جديدة.